الشيخ الطبرسي

94

تفسير مجمع البيان

فضاقت عليه المدينة ، فتنحى عنها ، فنزل واديا من أوديتها ، ثم كثرت نموا حتى تباعد عن المدينة ، فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه المصدق ليأخذ الصدقة ، فأبى وبخل وقال : ما هذه إلا أخت الجزية ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا ويح ثعلبة ! يا ويح ثعلبة ! وأنزل الله الآيات ، عن أبي أمامة الباهلي وروى ذلك مرفوعا . وقيل : إن ثعلبة أتى مجلسا من الأنصار ، فأشهدهم فقال : لئن أتاني الله من فضله تصدقت منه ، وآتيت كل ذي حق حقه ، ووصلت منه القرابة . فابتلاه الله ، فمات ابن عم له ، فورثه مالا ، ولم يف بما قال . فنزلت ، عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وقتادة . وقيل : نزلت في ثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، وهما من بني عمرو بن عوف ، قالا : لئن رزقنا الله مالا ، لنصدقن . فلما رزقهما الله المال ، بخلا به ، عن الحسن ، ومجاهد . وقيل : نزلت في رجال من المنافقين : نبتل بن الحارث ، وجد بن قيس ، وثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، عن الضحاك . وقيل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ، كان له مال بالشام ، فأبطأ عليه ، وجهد لذلك جهدا شديدا ، فحلف لئن آتاه الله ذلك المال ، ليصدقن . فآتاه الله تعالى ذلك ، فلم يفعل ، عن الكلبي . المعنى : ثم أخبر سبحانه عنهم ، فقال : ( ومنهم ) أي : من جملة المنافقين الذين تقدم ذكرهم ( من عاهد الله لئن آتانا من فضله ) أي : لئن أعطانا من رزقه ( لنصدقن ) أي : لنتصدقن على الفقراء ( ولنكونن من الصالحين ) بإنفاقه في طاعة الله ، وصلة الرحم ، ومؤاساة أهل الحاجة ( فلما آتاهم من فضله ) أي أعطاهم ما اقترحوه ، ورزقهم ما تمنوه من الأموال ( بخلوا به ) أي : شحت نفوسهم عن الوفاء بالعهد ، ومنعوا حق الله منه ( وتولوا ) عن فعل ما أمرهم الله به ( وهم معرضون ) عن دين الله تعالى . ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ) أي : فأورثهم بخلهم بما أوجبوا الله تعالى على أنفسهم النفاق في قلوبهم ، وأداهم إلى ذلك ، عن الحسن ، كأنهم حصلوا على النفاق بسبب البخل ، وهذا كمن يقول لابنه أعقبك صحبة فلان ترك التعلم . وقيل : معناه أعقبهم الله بذلك حرمان التوبة ، كما حرم إبليس ، عن مجاهد . وأراد بذلك أنه